عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

492

اللباب في علوم الكتاب

تلك التماثيل على اعتقادهم أنهم يعبدون اللّه والملائكة « 1 » . قوله : « أَنْ يَعْبُدُوها » الضمير يعود على الطّاغوت لأنها تؤنث ، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في البقرة « 2 » و « أَنْ يَعْبُدُوها » في محل نصب على البدل من « الطّاغوت » بدل اشتمال كأنه قيل : اجتنبوا عبادة الطاغوت « 3 » . قوله : « فَبَشِّرْ عِبادِ » من إيقاع الظاهر موقع « 4 » المضمر أي فبشّرهم أي أولئك المجتبين ، وإنما فعل ذلك تصريحا بالوصف المذكور « 5 » . فصل [ في معنى الآية : « وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ » ] الذين اجتنبوا الطاغوت أي أعرضوا عن عبادة « 6 » ما سوى اللّه وأنابوا أي رجعوا بالكلية إلى اللّه وأقبلوا بالكلية على عبادة اللّه . ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء : أحدها : قوله : « لَهُمُ الْبُشْرى » « 7 » وهذه البشرى تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع في القبر ، وعند الخروج من القبر ، وعند الوقوف في عرصة القيامة وعندما يصير فريق في الجنة وفريق في السعير ، ففي كل موضع من هذه المواضع تحصل البشارة بنوع من الخير ، وهذا المبشّر يحتمل أن يكون هم الملائكة عند الموت لقوله : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ النحل : 32 ] أو بعد دخول الجنة لقوله : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 23 - 24 ] . ويحتمل أن يكون هو اللّه تعالى كما قال : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب : 44 ] ، ثم قال « فَبَشِّرْ عِبادِ ( ي ) « 8 » الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » وهم الذين اجتنبوا وأنابوا لا « 9 » غيرهم . وهذه الآية تدل على وجوب النظر والاستدلال لأنه مدح الإنسان الذي إذا سمع أشياء كثيرة يختار منها ما هو الأحسن الأصوب وتمييز الأحسن الأصوب عما سواه لا يتأتى بالسماع وإنما بحجة العقل . واختلفوا في المراد باتّباع الأحسن ، فقيل : هو مثل أن

--> ( 1 ) وانظر : الرازي السابق والقرطبي 15 / 245 . ( 2 ) عند قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وبين هناك ما تستخلصه من أن الطاغوت من الإمكان أن يراد به الجماعة أو يراد به المفرد المؤنث أو يراد به الجمع المؤنث والمذكر ولم يغير لكونه مصدرا وفي تسميته بالمصدر مبالغة كأن عين الشيطان طغيان وأن البناء بناء مبالغة . انظر : اللباب 1 / 483 ب . ( 3 ) قاله ابن الأنباري في البيان 2 / 322 و 323 والكشاف 3 / 392 و 393 والسمين في الدر 644 . ( 4 ) قاله الزمخشري في الكشاف 3 / 393 . ( 5 ) السمين 4 / 644 . ( 6 ) في ب عبودية . وهو الموافق لما في الرازي . ( 7 ) في ب في هذه البشرى . ( 8 ) الياء مزيدة في النسختين وقراءة حفص المعتادة : عباد . ( 9 ) في ب إلى غيرهم وانظر في هذا الرازي 26 / 260 و 261 .